أحمد مطلوب
21
معجم المصطلحات البلاغية وتطورها
يكون البيت صحيح المعنى مستقيم الوزن ، لا يضطر الشاعر فيه لإقامة الوزن إلى اخراج المعنى عن وجه الصحة أو تقديم أو تأخير أو حذف « 1 » » ، وذكر أمثلة الفن السابق . ولكنّ حازما القرطاجني تحدث عن صلة الوزن بالمعنى ، أي أنّ للاعاريض اعتبارا من جهة ما تليق به من الأغراض فمنها أعاريض فخمة تصلح للفخر ، ومنها أعاريض رقيقة تصلح لاظهار الحزن ، وعلى هذا الأساس قسّم أوزان الشعر إلى السّبط ، والجعد ، واللين الشديد ، والذي بين بين . ويقوم هذا التقسيم على اعتبار الحركات والسكنات ، فالسبطات هي التي تتوالى فيها ثلاثة متحركات ، والجعدة هي التي تتوالى فيها أربعة سواكن من جزءين أو ثلاثة من جزء - أي لا يكون بين ساكن منها وآخر إلّا حركة - والمعتدلة هي التي تتلاقى فيها ثلاثة سواكن من جزءين أو ساكنان في جزء ، والقوية هي التي يكون الوقوف في نهاية أجزائها على وتد أو سببين . والضعيفة هي التي يكون الوقوف في نهاية أجزائها على سبب واحد ويكون طرفاه قابلين للتغيير « 2 » . وهذه الحركات والسكنات لها ميزة في السمع وصفة أو صفات تخصه من جهة ما يوجد له رصانة في السمع أو طيش ، ومن جهة ما يوجد له سباطة وسهولة أو جعودة وتوعّر . ولما كانت أغراض الشعر مختلفة وجب أن تحاكى تلك الأغراض والمقاصد بما يناسبها من الأوزان ، وأعلى البحور درجة الطويل والبسيط ويتلوهما الوافر والكامل ، ومجال الشاعر في الكامل أفسح منه في غيره ، ويتلو ذلك الخفيف . أما المديد والرمل ففيهما ضعف ولين ، وأما المنسرح ففيه اضطراب وتقلقل ، وفي السريع والرجز كزازة ، وفي المتقارب سذاجة لتكرار أجزائه وإن كان الكلام فيه حسن الاطراد ، وفي الهزج سذاجة وحدّة ، وفي المجتث والمقتضب حلاوة قليلة على طيش فيهما ، وفي المضارع قبح ، ولذلك ينبغي أن يصاغ الشعر في الوزن الذي يلائم معناه . ولم يتحدث البلاغيون الآخرون مثل هذا الحديث وانما تابعوا قدامة مع أنّ الفلاسفة المسلمين أشاروا إلى هذه المسألة فقال الفارابي وهو يتحدث عن اليونان : « جعلوا لكل نوع من أنواع الشعر نوعا من أنواع الوزن مثل أنّ أوزان المدائح غير أوزان الأهاجي ، وأوزان الأهاجي غير أوزان المضحكات وكذلك سائرها » « 3 » وقال ابن سينا : « واليونانيون كانت لهم أغراض محدودة فيما يقولون الشعر وكانوا - يخصون كل غرض بوزن على حدة ، وكانوا يسمون كل وزن باسم على حدة » « 4 » . ولعل حازما أراد أن يثبت غير ما قاله هذان الفيلسوفان حينما نسبا هذه المزية إلى اليونان وحدهم فتحدث عن صلة الوزن بأغراض الشعر العربي ، أو « ائتلاف الوزن مع المعنى » ، ولكنه لم يفصّل القول في ذلك وظل بعيدا عن كشف أسرار هذا الائتلاف ، وظل البلاغيون الآخرون مرتبطين بما قاله قدامة في هذا الفن . الابتداء : ذكر البلاغيون أنّ الأديب ينبغي أن يتأنّق في ثلاثة مواضع من كلامه حتى يكون أعذب لفظا ، وأحسن سبكا ، وأصحّ معنى . وهذه المواضع هي : الابتداء ، والتخلص ، والانتهاء . والابتداء أن يكون مطلع الكلام شعرا أو نثرا ، أنيقا بديعا ، لأنّه أول ما يقرع السمع فيقبل السامع على الكلام ويعيه ، وإن كان بخلاف ذلك أعرض عنه ورفضه وإن كان في غاية الحسن . وقد استحسن القدماء مطلع النابغة الذبياني : كليني لهمّ يا أميمة ناصب * وليل أقاسيه بطيء الكواكب
--> ( 1 ) أنوار الربيع ج 6 ص 227 . ( 2 ) منهاج البلغاء ص 260 . ( 3 ) رسالة في قوانين صناعة الشعراء ( فن الشعر ) ص 152 . ( 4 ) كتاب المجموع ص 30 .